راديو الناس – بث مباشر
في أفضل، بل أخطر تعبير عما يحدث عندما تقرر السلطة في إسرائيل عمدًا ومع سبق الإصرار والترصُّد، ومن منطلقات سياسية وائتلافية وايديولوجية ضيقة تجاهل ظاهرة الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية والتي تتفاقم وفق معطيات رسمية
تؤكد انها بلغت منذ مطلع هذا العام 2026، مستويات غير مسبوقة حتى مقارنة بتلك الخطيرة التي سجلتها منذ هجمات السابع من أكتوبر عام 2023، حيث سجلت منذ بداية العام نحو 1800 اعتداء خطير من المستوطنين على الفلسطينيين شملت اضرام النار وآخرها اضرام النار في بيت في قرية بيت امرين في قضاء نابلس، والمس بالممتلكات، كانت قرابة 500 منها في شهر آذار الأخير، و نحو 400 في شباط الذي سبقه، اسفرت منذ مطلع العام عن مصرع 16 فلسطينيًا وإجبار نحو 100 عائلة فلسطينية على إخلاء أماكن سكناها خاصة في منطقة الأغوار ومنطقة الخليل، ويقرر الإعلام طوعًا ومن باب الخوف من السلطة او الخضوع للرقابة العسكرية او الأسوأ من ذلك الرقابة الذاتية وهي الأخطر اعلاميًا باعتبارها دفنًا للرأس في الرمال وانصياعًا لرغبات الشارع والحلبة السياسية واعتبارات العشبية الإعلامية بدلا من الرسالة الإعلامية والمصداقية، يتواصل تغييب قضية الإرهاب اليهودي المتواصل في الضفة الغربية بل غض الطرف عنه، ما يعني بشكل او بآخر اعتباره سوءًا لا يمكن معالجته او ان الكشف عنه لا يساعد في كبح جماحه، واعتباره قضاءً وقدرًا او شرًا لا بد منه في أحسن الأحوال، او ربما الصمت عنه ومنحه الشرعية الصامتة اما رغبة في ذلك او خشية غضب القاعدة الانتخابية اليمينية المتطرفة والتي تمسك بزمام الأمور اليوم في الحكومة والبرلمان والجيش والشرطة وغيرها من السلطات التي تحكم تصرفاتها اعتبارات ضيقة ومؤقتة، في تجسيد خطير لحالة اتفق على تسميتها بصناعة الجهل او التجهيل او حتى التواطؤ السلبي، من حيث تعمد إخفاء الحقائق أو التقليل من شأنها للحفاظ على سردية معينة، وخلق واقع بديل، لكن هذا التجاهل وفي حالتنا هذه، ليس مجرد إهمال عادي، بل تجاهل متعمد ومدروس يتحول مع مرور الوقت الى أداة سياسية، ومن ثم إعلامية، هدفها النهائي خلق واقع جديد او إدارة الوعي العام والتحكم به.
تجاهل سياسيّ وإعلاميّ
ما سبق وضرورة التنبه اليه، ليست من فراغ، فالتجاهل هنا سياسيًا واعلاميًا يشمل مركبات عدة أولها الانتقائية الإعلامية والسياسية، عبر تغييب الضحية وعدم ذكره وتجاهل معاناته الإنسانية خاصة وانها تجيء في سياق أوسع هو الحالة السائدة بعد السابع من أكتوبر والتي تجيز اعلاميًا وشعبيًا وسياسيًا المس بحقوق الفلسطينيين واملاكهم باعتبار الضفة الغربية ورغم انها ليست جزءًا من الحرب في غزة واحدة من الجبهات السبع او الثماني التي تحارب إسرائيل فيها وعليها وفق سردية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته والإعلام الإسرائيلي العبري كله دون استثناء، وصولًا الى حالة تحولت فيها تغطية معاناة الطرف الفلسطيني في هذه الحالة من واجب صحفي أساسي جوهره كشف المستور ونقل الحقائق، الى عمل يعتبر في نظر السلطة واطراف أخرى، مسًا بالدولة وضربًا للجهود الحربية وتضامنًا مع العدو الذي يريد إبادة إسرائيل وبالتالي يجب تجنب ذلك، حتى لو كان الثمن جعل الجرائم المرتكبة غير مرئية للجمهور، وخلق بل صياغة سردية أحادية الجانب تصبح بمثابة اتفاق على عدم قول الحقيقة ليُتهم من يحاول كشف الحقيقة بالخيانة أو التحريض، ناهيك عن ان ذلك التجاهل محليًا رغم نشره عالميًا، يصب في مصلحة جعل هذه الاعمال عادية لا تستحق الاهتمام خاصة على ضوء مواقف الرأي العام الإسرائيلي والتي تعتبر كل نشر ضد سياسات إسرائيل عملًا ضد السامية وهو حكم يعني التجاهل الفوري والتكذيب دون ان يكبد احد نفسه عناء الفحص والتدقيق، وكفى الله المؤمنين شر القتال، وبالتالي تطبيع هذه الأعمال والاعتداءات رغم زخمها وزيادة خطورتها وجعلها أمرًا مقبولاً أو غير صادم للرأي العام، مما يصب الماء على ايدي منفذيها ويمهد الطريق لارتكاب المزيد من الاعتداءات، والخطر من ذلك دفع مرتكبيها الى زيادة خطورتها وقسوتها، ومحاولة اضرام النار في المنزل والتي سبق ذكرها، وهي تعيد الى الأذهان حادثة عائلة دوابشة التي راح ضحيتها حرقًا ثلاثة من افراد العائلة، بعد اضرام النار المتعمد في منزلهم في قرية دوما قضاء نابلس، وإدانة عميرام بن اوليئيل بذلك، ومحاولة اليمين إطلاق سراحه عبر نشاط مكثف تقوده عضو الكنيست (البرلمان) ليمور سون هار ميلخ والتي بادرت بالمقابل الى سن قانون اعدام مرتكبي اعمال قتل اليهود على خلفية قومية، والمنشود هو خلق مفهوم جماعي او ادراك جمعي بالتعاون بين الجهات والسلطات السياسية والعسكرية والإعلام لإخفاء الحقائق الخطيرة، عبر تسميات تركز على استخدام مصطلحات مخففة لوصف الاعتداءات منها أنها جرائم قومية أو أعمال تخريب وليس ارهابًا، واعتبار ذلك ظاهرة جانبية وشاذة او اعمالًا فردية تنفذها جماعات غير منضبطة هم فتية التلال او قلة قليلة قال عنهم رئيس الوزراء انهم لا يتجاوزون 70 فردًا، وتزداد الخطورة اذا ما أُضيف الى كل ذلك، وكما نشاهد اليوم، تجاهل منهجي ومتعمد لسلطة وسيادة القانون وعدم محاولة فرضه أصلًا، علمًا ان التجاهل يضمن ليس فقط عدم محاسبة مرتكبي الاعتداءات بل عدم محاسبة المسؤولين عن هذه الظاهرة الخطيرة، مع تغاضي مؤسساتها لها أو دعم بعض مسؤوليها، مثل بنيامين نتنياهو، وبتسلئيل سموتريتش وزير المالية الذي يؤكد عدم وجود إرهاب يهودي او انه لا يمكن ان يكون هناك شيء من هذا القبيل، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، والذي كان اول قرارٍ اتخذه فور توليه منصبه خلفًا للوزير يوآف غالانت إلغاء أوامر الاعتقال الإداري ضد المستوطنين المتطرفين باعتبارها وسيلة يجب ان لا تستخدم ضد مواطنين إسرائيليين (كاتس نفسه وقّع على أوامر اعتقال إدارية لمواطنين عرب إسرائيليين) وإيتمار بن غفير وزير الأمن القومي، ورئيس أركان الجيش الجنرال إيال زمير، وقائد القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي آفي بلوط، ورئيس الشاباك الجديد دافيد زيني الذي امر الشاباك بتغيير وصفه للاعتداءات المذكورة واستخدام مصطلح جديد لذلك هو “احتكاكات”، مع ضرورة الإشارة الى ان الوزير المسؤول عن الضفة الغربية والإدارة المدنية في وزارة الأمن هو الوزير بتسلئيل سموتريتش وزير المالية والمعروف بتوجهاته الأيديولوجية المتطرفة وخطة الحل النهائي والتي تشمل منع إقامة أي كيان فلسطيني وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية كخطوة أولى نحو أرض إسرائيل التوراتية، وتخيير الفلسطينيين بين البقاء كمواطنين من الدرجة الثانية عليهم واجب الولاء التام والمطبق دون حقوق او الرحيل.

قصور يعتقد كثيرون انه متعمد ومُوَجَّه في تطبيق القانون
ما سبق وخاصة دور الوزير سموتريتش ومساهمة وزراء آخرين في التستر على هذه الاعتداءات بل دعمها وشرعنتها وتوفير الغطاء السياسي وبعده او بفضله، القانوني لها، من منع للاعتقالات إضافة الى ما كشفته معلومات شملتها تقارير صحفية استقصائية من قصور يعتقد كثيرون انه متعمد ومُوَجَّه في تطبيق القانون، حيث تشير المعطيات المتعلقة بالعام 2026 إلى أن أكثر من 96% من ملفات التحقيق في عنف المستوطنين تُغلق دون تقديم لوائح اتهام، يؤكد الحقيقة الساطعة والمعروفة من ان اجتماع المال والسلطة والأيديولوجيا في ايدي سلطة واحدة ورجل واحد يشكّل ثالوثًا خطيرًا، فهو يمكنه كما تؤكد الوقائع من استخدام الميزانيات والموارد المالية لترسيخ وتعزيز مكانته السياسية في أوساط مؤيديه او قاعدته الانتخابية عبر استجابة تامة لطلباتهم بل ربما اكثر، وتكفي هنا الاشارة الى انه كان قد منح هذه الجماعات مئة سيارة او وسيلة نقل خاصة تمكّنهم من التجول والتنقل وهي وسائل نقل استخدمها هؤلاء في تنفيذ الاعتداءات على فلسطينيين او نشطاء يهود تضامنوا مع الفلسطينيين .
كما كشفت مقاطع فيديو وثقت تلك الاعتداءات، واعتبارها عملًا مباركًا وخطوة ضرورية تستحق التقدير، نحو تفكيك السلطة الفلسطينية ومنع أي إمكانية لتشكيل كيان فلسطيني قابل للحياة، وتغليف هذا بمنظومة فكرية او أيديولوجية دينية وسياسية تشكل الغطاء الشرعي لذلك، وباختصار فإن توفر هذا الثالوث من الصفات والمركبات، يتيح خلق واقع جديد وسردية تخدم مصلحة من يملكه، وتجعل خرق ابسط قواعد النظام القضائي والاجتماعي والسياسي أمرًا طبيعيًا ومبرراً، حتى وإن كان غير عادل، تمامًا كما هو الحال مع عشرات النقاط الاستيطانية او التي يسمونها المزارع التي اقامتها جماعات المستوطنين وفتية التلال، وجاءت معظمها عن قصد فوق أرض فلسطينية خاصة طلبًا للمواجهات والاحتكاكات التي تنتهي بتدخل الجيش لصالح المستوطنين. جعل هذه الاعتداءات والتصرفات معقولة ومقبولة وان كانت غير قانونية، لا يتوقف عند هذا الحد بل ان معظم تجلياته تجيء لتغيير الواقع على الأرض وجعل المرفوض قانونيًا، على الصعيدين المحلي والعالمي، امرًا مقبولا، فالخطوة الأخيرة بهذا الشأن، وأعني قرار السلطات الأمنية نقل مسؤولية تطبيق القانون في المنطقتين (أ) و(ب) من الجيش الإسرائيلي إلى قوات حرس الحدود في الضفة الغربية، واعلان كون هذا القرار يجيء بالتعاون بين الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية، يغير الواقع القانوني للمنطقة والتي ينص القانون الدولي على اعتبارها منطقة محتلة، او منطقة يسيطر عليها الجيش، بينما تعني سيطرة الشرطة عبر حرس الحدود والذي يسيطر عليه الوزير ايتمار بن غفير، خطوة اولى نحو فرض القانون الاسرائيلي عليها، او خطوة امنية ظاهريًا، بحجة ان الجيش ليس جيدًا في اعتقال الاسرائيليين- بعكس ما يفعله مع الفلسطينيين- ما يشكل مقدمةً لخطوة سياسية يريدها سموتريتش وبن غفير والحكومة الحالية كلها، وهذا كله بينما تتجه أنظار العالم إلى إيران وتطورات المنطقة وقبلها الحرب في غزة، ومع تزايد الإرهاب اليهودي، وصحيفة هآرتس تصر وحدها على تسميته كذلك، وسط صمت رسمي وتساهل وتجاهل أمني يثيران الأسئلة والتساؤلات خاصة حول تداعيات ذلك على الساحة الدولية، خاصة على ضوء الانتقادات الأمريكية والغربية المتزايدة، والنشر الواسع لهذه الاعتداءات كما حدث في مجلة “لا اسبريسو” الإيطالية وشبكة سي. إن. إن التي تعرض مراسلوها للتهديد بالسلاح والاعتقال من قبل الجيش اثناء تغطيتهم احد الاعتداءات قرب قرية تياسير في محافظة طوباس، شمالي الضفة الغربية، والتحذيرات من ان استمرار هذه الظاهرة قد يؤدي إلى فرض عقوبات دولية وتدويل الصراع.
الضفة الغربية أصبحت مسرحًا لأوهام الضم الإسرائيلية
قضية الإرهاب اليهودي لا تتوقف هنتا بأبعادها المختلفة، بل انها تعكس عمليًا الانقسام الكبير في مواقع السلطة واتخاذ القرار في إسرائيل، وهو ينعكس في مجموعتين او توجهين، أولهما يعتقد ان السابع من أكتوبر عام 2023، وكما اعلن عدد من الوزراء منهم بتسلئيل سموتريتش واوريت ستروك من الصهيونية الدينية وحتى ارييه درعي من شاس، وان كان تفسيره يختلف، كان واحدة من العجائب التي سخرها الله لإسرائيل، وانها فرصة مناسبة ومواتية بل تاريخية لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي بين النهر والبحر، وتنفيذ مآربهم التي تحركها معتقدات دينية غيبية تجعلهم يؤمنون ان تحقيق أهدافهم حول ارض إسرائيل الكبرى وانهاء حلم او احتمال قيام كيان فلسطيني اصبح اقرب الى التحقق، عبر ضم الضفة الغربية وبدعم من مواقف عبر عنها سفير امريكا في إسرائيل تتساوق مع هذا الطرح وتعتبر ارض إسرائيل الكبرى حق تاريخي يضم سوريا ولبنان ومصر وأجزاء من المملكة العربية السعودية، وذلك رغم اعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه للضم التام للضفة الغربية، واعلانه ان الحل يجب ان يضمن إقامة دولة فلسطينية واعتبار ذلك شرطًا لأي تطبيع مع السعودية وهو حلم ترامب الأكبر، وبالتالي يمكن القول ان الضفة الغربية وعلى ضوء فشل مشاريع إعادة الاستيطان في قطاع غزة وفشل خطط طرد الفلسطينيين من هناك وترحيلهم، أصبحت مسرحًا لأوهام الضم الإسرائيلية تعني استبدال السياسات الواقعية بأوهام وأضغاث أحلام نهايتها كما دائمًا الانهيار، اما المجموعة الثانية فهي تلك العقلانية وتشمل عددًا كبيرًا من الناشطين في مجال الأمن والأجهزة الأمنية (ليس رئيس الشاباك صاحب التوجهات الخلاصية المتطرفة) الذين يعتقدون انه لا يمكن لإسرائيل مواصلة الوضع الحالي، أي انه لا يمكنها مواصلة إمساك الحبل من طرفيه، أي انه لا يمكن من جهة السماح بتوسيع الاستيطان وشرعنة الإرهاب اليهودي وإقامة البؤر الاستيطانية حتى لو تمت تسميتها بالمزارع، وهو مصطلح تم نسخه من منطقة النقب حيث تم تخصيص عشرات آلاف الدونمات لمزارعين يهود (لكل مزارع) مقابل مواصلة سياسة الهدم وتضييق الخناق على المواطنين العرب، وتخصيص الميزانيات للمستوطنين واعتبار السلطة الفلسطينية كيانًا معاديًا ومنع دفع أموال المقاصة لها وجعلها تقترب من الانهيار وتعجز عن دفع رواتب موظفيها، ومن جهة أخرى الإعلان بل الادعاء ان إسرائيل، لا تجد شريكًا فلسطينيًا لمفاوضته حول تحقيق السلام ووقف سفك الدماء.
تحوّل إسرائيل الى دولة ثنائية القومية
الأمر اكبر حتى من ذلك، فهو يكشف ان إسرائيل تحولت من مجموعة سكانية واحدة تختلف في الرأي وتقبل الاختلاف، الى مجموعتين سكانيتين متنافرتين في الشأن أعلاه، الأولى وهي للأسف الأغلبية كما يبدو، تفتقر الى أبسط المعلومات حول ما يحدث في الضفة الغربية وابعاد ما يحدث وتؤيده دون ان تلتفت الى الخطر الأكبر وهو تحوّل إسرائيل الى دولة ثنائية القومية او الى ذلك الجانب “البسيط والهامشي” المتمثل في ضم نحو ثلاثة ملايين فلسطيني الى دولة إسرائيل، ومن الجهة الأخرى مجموعة استبدلت التفكير المنطقي بمصطلحات توراتية خلاصية وغيبية متطرفة، ملخصها توسيع حدود دولة إسرائيل الى ارض ما بين النهرين، وهو انقسام ينضم الى انقسامات داخلية تتعلق بالسياسة والائتلاف والانقلاب القضائي والنزوع نحو إقامة دولة شريعة وصل حد الحديث عن دولتين، اسرائيل للعلمانيين والليبراليين واليساريين، ويهودا للمتدينين واليمين والمستوطنين، وهي حالة خطيرة تؤكدها الأحداث والتشريعات الأخيرة وخاصة تلك المتعلقة بصلاحيات المحاكم الدينية وتشريعات حول تشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجمات السابع من أكتوبر ومحاولة اقتحام محكمة العدل العليا في تكرار لسيناريو اقتحام الكابيتول في واشنطن عام 2021، بل ان انقسامًا داخليًا يعني اليوم وبفعل الخلاف سابق الذكر، وربما بشكل يشبه الحال في الضفة الغربية، خلق منظومتين قضائيتين وقانونيتين مختلفتين، خاصة في نظر الشرطة، سمة ذلك قمع مستمر ومنهجي لمعارضي الحكومة والمطالبين بوقف الانقلاب القضائي واعتقالات عشوائية لمتظاهرين طالبوا بإنهاء الحرب، وافراد عائلات إسرائيليين لقوا حتفهم في هجمات السابع من أكتوبر لكنهم يميلون نحو معسكر الوسط واليسار، مقابل تساهل تام وواضح مع انصار اليمين والتغاضي عن اعتداءاتهم وتصرفاتهم غير القانونية بحق شخصيات اعتبارية منها القاضي أهارون براك رئيس محكمة العدل العليا السابق وسياسيين واعلاميين ينتمون الى المركز واليسار وغير ذلك، ما يؤكد ان ما يحدث في الضفة الغربية تجاه الفلسطيني لن يبقى كذلك ولن يبقى هناك، بل انه سيجتاز الحدود الجغرافية بين إسرائيل والضفة الغربية لينتقل من قضاء نابلس الى تل ابيب والقدس وحيفا وغيرها من المواقع في إسرائيل، هذا إضافة الى الحقيقة الواقعة ان توجهات إسرائيلية، ورغم الحق النظري للفلسطينيين في الضفة الغربية في التوجه الى المحاكم الاسرائيلية لاستصدار أوامر احترازية ضد اعتداءات عليهم وعلى ممتلكاتهم، فإن الواقع يؤكد عكس ذلك أي منع الفلسطينيين في الضفة الغربية من استنفاذ حقوقهم القضائية عبر المحاكم الإسرائيلية خاصة في مجال ملكية الأراضي، لأسباب اقتصادية ولعدم توفر منظومة تساعدهم في ذلك، بعكس مثلًا النيابة الجماهيرية التي تساعد مواطنين إسرائيليين في تمويل اجراءاتهم القضائية اذا لم تتوفر لديهم الإمكانيات المادية .
ظاهرة عنيفة قائمة على التطرف الديني أو القومي
خلاصة القول اننا امام ظاهرة عنيفة قائمة على التطرف الديني أو القومي، تستهدف الفلسطينيين بشكل أساسي، وتتخذ أشكالًا مختلفة تتراوح بين اعتداءات فردية او تلك المنظمة والمدعومة من مسؤولين سياسيين ودينيين وعسكريين، يستندون الى تفسيرات متطرفة لنصوص دينية في التوراة والتلمود، تقسم ارض إسرائيل التوراتية وتُبيح العنف ضد الأغيار، وتعزز العنصرية وتحرض على الفلسطينيين وتشرعن السيطرة على أراضيهم، تشكل خطرًا كبيرًا، لكنها ولكونها تنطلق من توجهات سياسية لن تبقى حبيسة الضفة الغربية، بل انها ستنتقل الى داخل دولة إسرائيل عبر عنف سياسي تغذيه نفس التوجهات، سيحاول وهناك امثلة على ذلك، انتهاج العنف للسيطرة على الحلبة السياسية وكم افواه المعارضين وربما تحقيق مكاسب أخرى تتعلق بتركيبة الحلبة السياسية او العلاقات بين المواطنين العرب واليهود في البلاد، والأحداث في الماضي تشير الى ان العنف لا حدود جغرافية له، فالعنف في المجتمع العربي لا يمكن فصله عن ذلك في المجتمع اليهودي، والعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية باعتبارهم أعداءً وخصومًا ومن يساعدهم انما يمس بأمن إسرائيل، يعني ان العنف الذي يمارس ضد اليهود المتضامنين مع الفلسطينيين هناك، سيتمدد الى الداخل، وقد قال عن ذلك المهاتما غاندي: “ما يسلب بالعنف لا يحتفظ به إلا بالعنف”، وكم بالحري انه في حالتنا عنف تدعمه السلطات، عملًا بالقول الشهير لعالم الاقتصاد الأمريكي لو روكويل: “العنف هو الأداة الخاصة بالحكومة، المعرفة والمنطق هي الأدوات الخاصة بالأشخاص الأحرار”، فهو شرارة تنطلق قد تحرق الأخضر واليابس ونار لا تكتفي بالقليل، بل انها تبحث دائمًا عما تأكله..